جمعية ضحايا التعذيب

السودان: شكوى ضد أبو ظبي أمام الاتحاد الأوروبي وشهادات منشقين من الدعم السريع تعيد فتح ملف الدعم الإماراتي وجرائم دارفور

في الوقت الذي تتصاعد فيه التحذيرات الدولية من تفاقم الكارثة الإنسانية في السودان، بدأت تتشكل ملامح تحرك حقوقي وسياسي متسارع يضع دولة الإمارات العربية المتحدة في دائرة الاتهام المباشر بدعم وتمويل وتسليح قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات تحمل “سمات الإبادة الجماعية” في إقليم دارفور ومناطق أخرى من السودان.

وجاء أحدث هذه التحركات عبر عريضة قانونية تقدم بها سبعة ضحايا سودانيين إلى الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، طالبوا فيها بفتح تحقيق وفرض عقوبات أوروبية فورية وموجهة على مسؤولين إماراتيين وسودانيين، إضافة إلى كيانات قانونية مرتبطة بقوات الدعم السريع التابعة لمحمد حمدان دقلو “حميدتي”.

العريضة، التي قدمها مكتب محاماة “دومان”، استندت إلى شهادات مباشرة ووثائق تتعلق بمسارات التمويل والإسناد اللوجستي والعلاقات المالية التي تربط شخصيات إماراتية وسودانية نافذة بقوات الدعم السريع، التي تواجه اتهامات واسعة بارتكاب مجازر جماعية وعمليات تطهير عرقي وانتهاكات واسعة النطاق بحق المدنيين.

من الثورة إلى الحرب

عندما أطاح السودانيون بالرئيس السابق عمر البشير في فبراير/شباط 2019، بدا أن البلاد دخلت مرحلة جديدة من التحول الديمقراطي. لكن الصراع سرعان ما أعاد السودان إلى دائرة العنف، مع بروز شراكة بين قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف باسم “حميدتي”، قبل أن يتحول التحالف إلى حرب مفتوحة منذ أبريل/نيسان 2023.

ومنذ اندلاع الحرب، تحولت مناطق واسعة من السودان، وخاصة إقليم دارفور، إلى مسرح لجرائم واسعة النطاق، شملت القتل الجماعي، والتهجير القسري، والعنف الجنسي، والاستهداف العرقي، وفق شهادات ناجين ومنظمات حقوقية دولية.

وكانت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة قد خلصت إلى أن الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع المدعومة من دولة الإمارات ضد المجتمعات غير العربية في غرب السودان تحمل “سمات الإبادة الجماعية”، في توصيف يعكس خطورة الانتهاكات المرتكبة وحجمها.

انشقاقات تكشف مسارات الدعم

بالتوازي مع التحركات الحقوقية، شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات لافتة داخل قوات الدعم السريع نفسها، مع ظهور قيادات منشقة تحدثت بشكل مباشر عن طبيعة الدعم الخارجي الذي تتلقاه القوات.

ومن أبرز هذه الانشقاقات، إعلان القائد الميداني علي رزق الله “السافنا” خروجه من قوات الدعم السريع، بعد أيام من انشقاق اللواء النور أحمد آدم “النور القبة”، أحد أبرز القادة العسكريين في القوات، والذي ظهر لاحقاً إلى جانب قائد الجيش السوداني.

وفي شهادات متداولة على نطاق واسع، قال القائد الميداني المنشق علي الطيب محمد موسى إن “الجزء الأكبر من الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع يأتي من الإمارات”، موضحاً أن هذا الدعم يشمل الطائرات المسيّرة، والأسلحة، والذخائر، والمركبات القتالية، إضافة إلى التدريب والعلاج وفتح خطوط إمداد عبر ليبيا وتشاد وإثيوبيا.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة من الناحية القانونية والحقوقية، لأنها تصدر من شخصيات كانت جزءاً من البنية العسكرية الداخلية لقوات الدعم السريع، وتنسجم مع سلسلة تقارير وتحقيقات دولية تحدثت خلال العامين الماضيين عن وجود شبكات إمداد إقليمية معقدة مرتبطة بالإمارات.

تقارير دولية تربط أبوظبي بشبكات التسليح

التحقيقات الدولية والإعلامية لم تعد تقتصر على الحديث عن “مزاعم” عامة، بل بدأت ترسم خرائط تفصيلية لمسارات الإمداد والدعم.

فقد كشفت تقارير إعلامية دولية، بينها تحقيقات استندت إلى معلومات أمنية ومصادر ميدانية، عن وجود معسكرات تدريب لمقاتلي الدعم السريع داخل إثيوبيا، مع توفير دعم لوجستي وعسكري إماراتي. كما تحدثت تقارير أخرى عن إعادة تنظيم شبكات الإمداد عبر تشاد وليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى.

وخلال الحرب، ظهرت كذلك اتهامات متكررة للإمارات بتزويد قوات الدعم السريع بالأسلحة والطائرات المسيّرة، والمشاركة في عمليات نقل وتهريب السلاح عبر الحدود التشادية، فضلاً عن دعم مرتزقة أجانب، بينهم مقاتلون كولومبيون، شاركوا في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع.

ورغم نفي أبوظبي المستمر لهذه الاتهامات، فإن حجم التقارير والشهادات المتقاطعة، إضافة إلى ما تضمنته وثائق وتحقيقات أممية وصحفية، جعل من الصعب تجاهل تنامي الأدلة التي تربط الإمارات بدعم أحد أطراف النزاع الأكثر اتهاماً بارتكاب الفظائع في السودان.

ضغوط غربية متصاعدة

وخلال الأيام الأخيرة، بدأت هذه الاتهامات تتخذ أبعاداً سياسية وقانونية أوسع في العواصم الغربية.

ففي المملكة المتحدة، دعت منظمة FairSquare الحكومة البريطانية إلى التحقيق مع الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الوزراء الإماراتي ومالك نادي مانشتر سيتي، بشأن دوره المفترض في دعم حكومة الإمارات لقوات الدعم السريع.

وأكدت الشكوى أن هناك “أدلة وفيرة من مصادر موثوقة متعددة”، بما في ذلك تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، تشير إلى أن الإمارات تزود قوات الدعم السريع بالأسلحة والذخائر والإمدادات منذ منتصف عام 2023.

وفي الولايات المتحدة، وجّه عضوان بارزان في لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان في الكونغرس رسائل إلى شركات ومؤسسات رياضية وترفيهية كبرى، بينها The Walt Disney Company وNational Basketball Association وNational Football League، دعوها فيها إلى إنهاء علاقاتها مع الإمارات بسبب دورها “في التحريض على الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي في السودان من خلال تسليح أحد أطراف الحرب”.

السودان يطالب بمحاسبة داعمي الدعم السريع

وفي موازاة الضغوط الدولية، رحبت وزارة الخارجية السودانية بقرار لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي الذي أدان الهجمات على المدنيين في السودان واتهم قوات الدعم السريع بارتكاب “إبادة جماعية” ضد المجتمعات غير العربية في دارفور.

وأكدت الخارجية السودانية أهمية وقف أي دعم خارجي لقوات الدعم السريع، سواء عبر التسليح أو التمويل أو الغطاء السياسي، معتبرة أن ذلك شرط أساسي لإنهاء الحرب.

وفي بيان آخر، رحبت الخرطوم بتصريحات الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش التي حمّل فيها “جهات خارجية” مسؤولية استمرار النزاع، في إشارة رأت فيها الحكومة السودانية تأكيداً متزايداً على الدور الخارجي “الإماراتي” في تغذية الحرب.

مسؤولية قانونية تتجاوز الدعم السياسي

ومع تراكم الشهادات والانشقاقات والتقارير الدولية، يتجه النقاش الحقوقي بشكل متزايد نحو مساءلة الدول والجهات التي يُشتبه في تقديمها دعماً مباشراً أو غير مباشر لقوات متهمة بارتكاب جرائم دولية جسيمة.

فوفقاً لمبادئ القانون الدولي، فإن توفير السلاح أو التمويل أو الدعم اللوجستي لقوة ترتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية قد يثير مسؤولية قانونية دولية، خاصة عندما تكون الانتهاكات واسعة النطاق ومعروفة على نطاق دولي.

وفي هذا السياق، يرى حقوقيون أن تزايد الأدلة المتعلقة بمسارات التسليح والدعم المالي لقوات الدعم السريع يضع الإمارات أمام ضغوط متصاعدة قد تتطور مستقبلاً إلى مسارات مساءلة قانونية وعقوبات دولية، لا سيما في ظل تنامي الدعوات الأوروبية والأمريكية للتحقيق في شبكات الدعم المرتبطة بالحرب السودانية.

وبينما تستمر الإمارات في نفي أي دور لها في النزاع، فإن شهادات الضحايا، والانشقاقات العسكرية، والتحقيقات الدولية المتراكمة، باتت ترسم صورة أكثر وضوحاً عن طبيعة الدور الخارجي في واحدة من أكثر الحروب دموية في القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة.