لا يزال الدور الذي تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة في تمويل وتسليح ودعم جماعات مسلّحة ومتمردة وكيانات انفصالية في اليمن والسودان وليبيا والصومال وسوريا، مثار قلق واسع لدى الأوساط الحقوقية والشعبية في العالم العربي، لاسيما أن ذلك يأتي في إطار سياسة خارجية توسعية قائمة على تقويض السلطات الشرعية، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإذكاء الصراعات الأهلية والإقليمية، بما يترتب عليه انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان، في أبريل 2023، بين الجيش السوداني و ”قوات الدعم السريع”، تصاعدت الأسئلة حول تأثير التدخلات الخارجية في مسار الصراع، حيث يبرز في قلب هذا الجدل، اسم دولة الإمارات العربية المتحدة، بسبب تقارير واتهامات سودانية تحدثت عن دعم إماراتي مباشر وغير مباشر لقوات الدعم السريع، من خلال إسناد لوجستي أو تمرير أسلحة أو توفير قنوات مالية يُعتقد أنها ساعدت على توسيع نفوذها، خصوصاً في مناطق مثل الخرطوم ودارفور، وهو ما دفع الحكومة السودانية إلى تقديم شكاوى ضد الإمارات أمام القضاء الدولي بتهمة التواطؤ في جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية.
تقارير دولية وإعلامية موثقة تشير إلى أنّ الدور الإماراتي لا يقتصر على السودان وحده، بل يشكّل جزءًا من شبكة إقليمية ممتدة تشمل دعم المليشيات الانفصالية المسلّحة في جنوب اليمن والمتمثلة في قوات المجلس الانتقالي الجنوبي التي سيطرت قبل أسابيع على مواقع حيوية في محافظتي حضرموت والمهرة متراميتي الأطراف قبل أن تتدخل السعودية وقوات الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وتطردها إلى خارج المحافظتين.
كما تؤكد تقارير عدة ضلوع الإمارات في تمويل وتسليح قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا، في انتهاك لحظر السلاح الأممي، وكذلك الانخراط في دعم قوات “قسد” الانفصالية في سوريا، بما يسهم في تهديد وحدة الدولة، بالإضافة إلى دعم تشكيلات مسلحة في القرن الإفريقي والصومال، ونقل السلاح والذخيرة عبر واجهات إنسانية وإغاثية.
وفي اليمن، وثّقت تقارير إعلامية وعسكرية العثور على مخازن أسلحة وذخائر داخل مقرات تابعة لهيئات مدعومة إماراتيًا، بما يعزز المخاوف من استخدام العمل الإنساني غطاءً لتهريب السلاح ودعم فصائل مسلّحة تعمل خارج سلطة الدولة.
بدورهم، عبّر مسؤولون ومصادر إقليمية عن قلق متزايد من تأثير هذه التدخلات على الأمن القومي للسعودية والدول المجاورة، نظرًا للطبيعة العابرة للحدود للصراعات التي تغذيها هذه السياسات.
انتهاكات جسيمة وجرائم محتملة ضد الإنسانية
تشير المعطيات الحقوقية إلى أنّ المليشيات المدعومة إماراتيًا في مختلف الدول المشار إليها قد تورطت في عمليات القتل خارج إطار القانون، والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، والتهجير القسري وتقويض السلم الأهلي، وإدارة سجون ومراكز احتجاز غير قانونية، وتجنيد المقاتلين وتمويل شبكات العنف.
وفي كلٍّ من ليبيا واليمن، وثّقت هيئات أممية ودولية نتائج كارثية ناجمة عن دعم المجموعات المسلحة، بما في ذلك التعذيب والإعدامات الجماعية والانتهاكات ضد المدنيين، وتعطيل جهود المصالحة الوطنية ومسارات السلام.
يقول باحثون قانونيون إن دعم وتسليح وتمويل جماعات مسلّحة غير حكومية تشارك في جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وأعمال عنف ممنهجة ذات طابع تعسفي أو تمييزي، كل ذلك من شأنه أن يضع دولة الإمارات في نطاق المسؤولية القانونية الدولية عن الأفعال المساعدة أو المحرّضة على ارتكاب الجرائم الدولية، وفقًا لمبادئ مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليًا وقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، كما قد يرقى هذا الدعم إلى المساهمة في جرائم ضد الإنسانية متى ثبت علم الدولة بطبيعة الانتهاكات والنتائج المترتبة عليها.


