جمعية ضحايا التعذيب

العنف الجنسي كأداة للقمع والحرب: نمط مقلق من الانتهاكات المرتبطة بالإمارات في اليمن والسودان

تكشف شهادات ضحايا ومسؤولين حكوميين وتقارير حقوقية دولية متواترة عن نمط بالغ الخطورة من الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالقوات الإماراتية والتشكيلات المسلحة التي أنشأتها أو تدعمها في مناطق مختلفة من النزاعات، ولا سيما في اليمن والسودان. ويبرز ضمن هذه الانتهاكات استخدام الاغتصاب والعنف الجنسي كوسيلة للإذلال والقمع والإخضاع، سواء داخل مراكز الاحتجاز أو في سياق العمليات العسكرية ضد المدنيين.

ففي تصريحات أدلى بها القاضي حسين المشدلي، نائب رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، أكد فيها عن توثيق شهادات لضحايا تعرضوا لاعتداءات جنسية داخل سجون مرتبطة بالقوات الإماراتية والتشكيلات الأمنية التابعة لها في جنوب اليمن.

وأوضح المشدلي أن اللجنة وثّقت خلال زيارة ميدانية إلى محافظتي حضرموت وسقطرى إفادات معتقلين أكدوا تعرضهم للاغتصاب داخل أماكن الاحتجاز. ووصف الاستماع المباشر لتلك الشهادات بأنه كان “مؤلماً ومقززاً”، مشيراً إلى أن هذا النمط من الانتهاكات يمثل تطوراً خطيراً وغير مسبوق في المجتمع اليمني.

وأكد أن عدداً من هذه الانتهاكات ارتُكب تحت غطاء ما يسمى مكافحة الإرهاب، وهو ما يثير مخاوف جدية من استغلال هذا الغطاء لتبرير ممارسات قمعية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

كما وثقت اللجنة الوطنية عشرات حالات الاختفاء القسري في مدينة عدن وحدها، بلغ عددها نحو 64 حالة تعود بعضُها إلى عام 2015، بينما تتجاوز الحالات في مناطق أخرى من البلاد المئات.

وأشار المشدلي إلى أن الخوف من الأجهزة الأمنية المدعومة إماراتياً حال دون إبلاغ العديد من الضحايا عن الانتهاكات التي تعرضوا لها في السابق، غير أن تراجع الوجود الإماراتي في بعض المناطق سمح بكشف عدد كبير من الحالات التي كانت مخفية، حيث عقدت اللجنة جلسات استماع لنحو مئة ضحية.

وتعزز هذه التصريحات لمسؤول يمني ما نشرته منظمات حقوقية وتقارير دولية في وقت سابق عن هذه القضية، بما في ذلك تحقيق لوكالة أسوشيتد برس عام 2018 يكشف بالأدلة عن تعرض مئات المعتقلين في سجون بمدينة عدن لانتهاكات جسيمة على يد ضباط إماراتيين ووكلائهم المحليين. ووصف التحقيق أساليب التعذيب والإذلال الجنسي التي مورست بحق المعتقلين بأنها تشبه ما حدث في سجن أبو غريب في العراق.

كما وثّقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان حالات اغتصاب واعتداءات جنسية بحق معتقلين في مراكز احتجاز في اليمن ارتكبها ضباط إماراتيون أو عناصر من قوات محلية مدعومة منهم، بما في ذلك قوات “الحزام الأمني”.

وأشار التقرير إلى أن بعض هذه الاعتداءات كانت تُرتكب باستخدام أدوات مختلفة وفي ظروف احتجاز وصفت بأنها مروعة، وأن بعض الانتهاكات وقعت على مرأى من معتقلين آخرين أو بحضور الحراس، في ممارسات تهدف إلى إذلال الضحايا وتحطيمهم نفسياً.

كما خلص فريق الخبراء الدوليين المعني باليمن، الذي عيّنه مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى وجود أدلة على ارتكاب انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب، بما في ذلك التعذيب والعنف الجنسي.
ويبدو لافتًا أن هذا النمط من الانتهاكات لا يقتصر على اليمن، إذ وثق تقرير حديث صادر عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان استخدام قوات الدعم السريع المدعومة من دولة الإمارات في السودان للعنف الجنسي بشكل منهجي كسلاح من أسلحة الحرب خلال هجومها على مدينة الفاشر في إقليم دارفور في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وبحسب التقرير، الذي استند إلى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهداً، ارتكبت هذه القوات حالات اغتصاب واغتصاب جماعي واعتداءات جنسية أثناء عمليات التفتيش المهينة، كما استخدم العنف الجنسي في سياق عمليات الاختطاف مقابل فدية. وأشار التقرير إلى أن النساء والفتيات من المجتمعات غير العربية، ولا سيما مجتمع الزغاوة، تعرضن لاستهداف خاص.

كما وثق التقرير ارتكاب جرائم واسعة النطاق خلال الهجوم، شملت القتل الجماعي والإعدامات الميدانية والتعذيب والاختفاء القسري والنهب وتجنيد الأطفال، إلى جانب الهجمات المتعمدة على المدنيين والمرافق المدنية.
يذكر أن جريمة الاغتصاب والعنف الجنسي من أخطر الانتهاكات التي يجرمها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

فبموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولين الإضافيين لعام 1977، يشكل العنف الجنسي انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني.

كما ينص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء وأي شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يشكل جريمة حرب إذا ارتكب في سياق نزاع مسلح، كما يمكن أن يشكل جريمة ضد الإنسانية إذا ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين.

وقد أكدت السوابق القضائية الدولية، بما في ذلك أحكام المحكمة الجنائية الدولية لرواندا ويوغوسلافيا السابقة، أن استخدام العنف الجنسي كوسيلة للإذلال أو القمع أو الإرهاب المجتمعي يمكن أن يرقى أيضاً إلى جريمة تعذيب بموجب القانون الدولي.

إن هذه الوقائع الموثقة في اليمن والسودان تكشف عن نمط مقلق من استخدام العنف الجنسي في سياقات النزاع المسلح والاحتجاز، في ارتباط مع التشكيلات العسكرية المدعومة من دولة الإمارات. وتشير هذه المعطيات إلى احتمال وجود ممارسات ممنهجة تتطلب تحقيقات دولية مستقلة وشفافة.

وإن محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وضمان العدالة للضحايا يمثلان ضرورة قانونية وأخلاقية، ليس فقط لإنصاف الضحايا، بل أيضاً لمنع تكرار هذه الانتهاكات الجسيمة التي تمثل انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية والقانون الدولي.