جمعية ضحايا التعذيب

في اليوم الدولي للحق في معرفة الحقيقة.. مصير مجهول للمغيبين في سجون الإمارات

يحيي العالم في الرابع والعشرين من مارس/ آذار سنويا اليوم الدولي لمعرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بينما لا يزال العشرات من المعتقلين والمخفيين قسرا في الإمارات مجهولي المصير بمن فيهم أولئك الذين تمكنت السلطات الاماراتية من جلبهم من الخارج وتسلمهم من دول أخرى.

وفي هذا اليوم الدولي الذي يكرّس حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة، تقف جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات لتسلط الضوء على واقع مظلم يعيشه عشرات المعتقلين والمخفيين قسراً داخل دولة الإمارات.

إن الحق في معرفة الحقيقة ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو التزام قانوني دولي يفرض على الدول كشف مصير المختفين، وظروف احتجازهم، وتحديد المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة أعلنت في 21 كانون الأول/ديسمبر 2010، يوم 24 آذار/مارس يوما دوليا للحق في معرفة الحقيقة في ما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ولاحترام كرامة الضحايا.

وقد خلصت دراسة أجرتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في عام 2006 إلى أن الحق في معرفة الحقيقة بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة لقانون حقوق الإنسان هو حق غير قابل للتصرف ومستقل، ويرتبط بواجب الدولة لحماية وضمان حقوق الإنسان وإجراء تحقيقات فعالة وضمان الانتصاف والتعويض الفعالين.

وفي هذا السياق، تُعرب الجمعية عن قلقها البالغ إزاء استمرار سياسة “الإنكار الرسمي” الممنهجة التي تتبعها السلطات الإماراتية، وحرمان العائلات من أي معلومات موثوقة حول ذويهم، مما يحول مأساة الغياب إلى تعذيب مستمر يمتد لأسر الضحايا.

الإخفاء القسري مظنة التعذيب

تؤكد التقارير الحقوقية الموثقة أن السلطات الإماراتية تتبع نمطاً متكرراً من الإخفاء القسري، حيث يُعزل المعتقلون عن العالم الخارجي لمدد تتراوح بين أشهر وسنوات في مراكز احتجاز سرية. هذا النهج يضع الضحايا خارج حماية القانون ويجعلهم عرضة للتعذيب ولانتهاكات لا يمكن رصدها، مما يشكل خرقاً صارخاً للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

التعذيب كأداة لانتزاع الاعترافات

لم يعد التعذيب في مراكز الاحتجاز الإماراتية -خاصة التابعة لجهاز أمن الدولة- مجرد حوادث فردية، بل بات نهجاً ممنهجاً يُستخدم لكسر إرادة المعتقلين وانتزاع اعترافات قسرية تُبنى عليها أحكام قضائية جائرة. وتتضمن هذه الممارسات بحسب شهادات ضحايا سابقين: الضرب المبرح والحرمان المطول من النوم، والحبس الانفرادي في ظروف غير إنسانية، والحرمان من الرعاية الطبية الضرورية كأداة عقابية.

القمع العابر للحدود والإعادة القسرية

ترصد الجمعية ببالغ الخطورة توسع دائرة الانتهاكات لتشمل ملاحقة المعارضين والنشطاء خارج الحدود. إن إجبار أفراد على العودة إلى الإمارات رغم المخاطر المؤكدة لتعرضهم للتعذيب يعد انتهاكاً لمبدأ “عدم الإعادة القسرية” المستقر في القانون الدولي. ومن أبرز الحالات التي توثق هذا النمط قضية عبد الرحمن يوسف القرضاوي، الذي تم ترحيله قسراً من لبنان مطلع عام 2025 رغم التحذيرات الدولية، ويواجه حالياً ظروف احتجاز قاسية وعزلة تامة.

وكذلك قضية خلف عبد الرحمن الرميثي، الذي سُلم من الأردن في عام 2023 بموجب ترتيبات أمنية تفتقر للضمانات القضائية، ليواجه مصيراً مجهولاً داخل السجون الإماراتية.

استمرار الاحتجاز التعسفي والمحاكمات الجماعية

تستمر السلطات الإماراتية في استخدام “المحاكمات الجماعية” كأداة سياسية لتصفية المعارضة السلمية، مع استمرار احتجاز العشرات حتى بعد انتهاء محكومياتهم القانونية تحت ذريعة “المناصحة”، وهو ما يمثل اهداراً كاملاً لسيادة القانون وقيم العدالة.

بناءً على الوقائع الموثقة، تجدد جمعية ضحايا التعذيب مطالبتها للمجتمع الدولي والسلطات الإماراتية بالإفصاح الفوري عن أماكن وجود جميع المخفيين قسراً وتمكين ذويهم من زيارتهم والتواصل معهم.

كما نوصي بفتح تحقيقات شفافة تحت إشراف دولي في مزاعم التعذيب ومحاسبة الجناة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب، وإطلاق سراح كافة معتقلي الرأي والمحتجزين دون سند قانوني أو بعد انتهاء محكومياتهم.

كما نحث بشدة على السماح للمقررين الخاصين للأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة مراكز الاحتجاز (المعلنة والسرية) دون قيود، ووقف ممارسات القمع العابر للحدود واحترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين والمطلوبين سياسياً.

إن الحقيقة هي الخطوة الأولى نحو العدالة، وبدونها سيبقى سجل حقوق الإنسان في الإمارات وصمة في جبين العدالة الدولية.