تكشف شهادات متطابقة لضحايا سابقين في مرافق احتجاز غير قانونية جنوب اليمن عن نمط واسع من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ارتُكبت داخل مواقع عسكرية كانت خاضعة لسيطرة القوات الإماراتية وقوات محلية موالية لها، في مقدمتها معتقل مطار الريان وميناء الضبة بمحافظة حضرموت، وميناء بلحاف في محافظة شبوة
وتتراوح هذه الانتهاكات بين الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب الجسدي والنفسي، والاعتداءات الجنسية، وحرمان الضحايا من أبسط الضمانات القانونية، في سياق وصفته منظمات دولية بأنه ممنهج ويصل إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.
طفل في حاوية حديدية
أصيل، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره عند اعتقاله عام 2016، يروي تجربة احتجاز امتدت قرابة عامين داخل موقع عسكري قرب مطار الريان، الذي كانت تسيطر عليه الإمارات، دون أي مسار قانوني أو رقابة قضائية.
يقول أصيل إنه اعتقل دون مذكرة رسمية أو إبلاغ بالأسباب، ونُقل إلى مكان مجهول لم تُخطر أسرته به، في حالة تندرج بوضوح تحت جريمة الإخفاء القسري.
ويقول أصيل: “لم يتم إخباري لماذا اعتُقلت، ولا إلى أين سيتم نقلي، اختفيت فجأة ولم أُعرض على أي جهة قضائية.”
لم يُحتجز في سجن رسمي، بل داخل حاوية حديدية مغلقة استُخدمت كمكان احتجاز داخل المعسكر، حيث عانى من ظروف مناخية قاسية وانعدام إنساني كامل:”، يضيف: “في الصيف كانت الحرارة خانقة، وفي الشتاء كان البرد شديدًا، ولم يكن هناك شيء يراعي أننا بشر، أو أنني طفل”.
تعرض أصيل لأشكال متعددة من سوء المعاملة أثناء التحقيق، شملت الضرب، الإهانات، والترهيب النفسي، دون أي حماية خاصة بوضعه كقاصر.
وخلال فترة احتجازه خضع لعملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية، لكنه أُعيد مباشرة إلى مكان الاحتجاز ذاته وهو في حالة صحية حرجة، حيث تعرض للاعتداء مجددًا، ما تسبب له بمضاعفات صحية خطيرة.
طوال العامين لم يُسمح له بالتواصل مع أسرته، وظل مصيره مجهولًا لديهم.
وفي عام 2018 أُفرج عنه دون محاكمة، بعد إجباره على توقيع تعهد بعدم الحديث عمّا جرى.
اليوم، وبعد سبع سنوات، لا تزال آثار التجربة النفسية والجسدية ترافق أصيل، مؤكدًا أن ما تعرض له لم يكن حالة فردية بل شمل أطفالًا آخرين.
شهادة أخرى
معتقل آخر اسمه “رشاد”، أحد ضحايا معتقل الإمارات السري في مطار الريان، اعتُقل عام 2017 في ظروف قسرية مماثلة، دون مذكرة قانونية أو توجيه تهم، ودون عرض على أي جهة قضائية.
يقول في شهادته: “لم تُبلغ أسرتي بمكان وجودي، شعرت أن حياتي اختفت فجأة.”
احتُجز “رشاد” في مساحة ضيقة داخل موقع عسكري، وتعرض لسلسلة من الانتهاكات شملت السحل المتكرر والحرمان من النوم والطعام لأيام، ومنع استخدام الحمام، كما تعرض للتعذيب.
يصف حالته قائلًا: “كنت أشعر أن جسدي وعقلي ينهاران تحت ضغط مستمر”.
لم تقتصر الانتهاكات على المعتقل رشاد نفسه، بل طالت أسرته، حيث استغلت إدارة المعتقل معاناة والدته، وطالبت بمبالغ مالية مقابل معلومات وهمية أو وعود كاذبة بالإفراج عنه.
وعقب الإفراج عنه، واجه استهدافًا اجتماعيًا ومهنيًا وتهمًا كيدية، حالت دون عودته إلى عمله، تاركة آثارًا نفسية وجسدية طويلة الأمد.
تعذيب ليلي في غرف خانقة
معتقل سابق آخر تحدث عن تعرضه للتعذيب على أيدي ثلاثة أشخاص كانوا يتحدثون بلهجة إماراتية، ويُكنّون بـ: “أبو خليفة”، و “الكلباني”، و”أبو أحمد”، وقد احتجز مع آخرين في غرفة لا تتجاوز أربعة أمتار، دون دورة مياه، حيث كانوا يقضون حاجتهم في عبوات بلاستيكية.
وأشار إلى أن المحققين كانوا يأخذون المعتقلين ليلًا لتعذيبهم بوحشية، وإجبارهم على الاعتراف بأمور لا علاقة لهم بها، مستخدمين الضرب والإذلال النفسي.
اعتراف رسمي بوجود احتجاز خارج القانون
في 19 يناير/كانون الثاني 2026، أقر عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي خلال مؤتمر صحفي بوجود “احتجاز لمواطنين خارج الأطر القانونية والقضائية، وفي أماكن كانت تسيطر عليها القوات الإماراتية، ولا تخضع لإشراف النيابة أو رقابة المؤسسات الرسمية”، وهو اعتراف رسمي يعزز ما كشفته الشهادات والوثائق الحقوقية منذ سنوات.
توثيق أممي ودولي لانتهاكات ممنهجة
خلال العقد الماضي، وثّقت منظمات دولية بارزة نمطًا واسعًا من الانتهاكات، فقد وثقت هيومن رايتس ووتش (2017) احتجازًا تعسفيًا وإخفاءً قسريًا لـ49 شخصًا في عدن وحضرموت، بينهم 38 على يد قوات مدعومة من الإمارات.
كما أكدت منظمة العفو الدولية (2018)، اختفاء عشرات الرجال بعد اعتقالهم من قبل قوات تعمل خارج سلطة الحكومة، وتعرض كثير منهم للتعذيب، مع مخاوف من وفاة بعضهم في الحجز. وحققت المنظمة في 51 حالة احتجاز بين 2016 و2018، لا يزال 19 شخصًا منهم مفقودين.
اللجنة الوطنية: خمسة سجون غير قانونية في ساحل حضرموت
بدورها، أفادت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان بأنها وثقت شهادات أكثر من 100 ضحية منذ 2016 في ساحل حضرموت.
وقالت عضو اللجنة المحامية إشراق المقطري إن الضحايا أدلوا بشهادات عن وجود 5 سجون غير قانونية وممارسات تعذيب وإخفاء قسري ومعاملة قاسية ومهينة.
ووجهت اتهامات مباشرة لقيادات عسكرية وأمنية ومكونات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات بالضلوع في هذه الانتهاكات.
تحقيقات بي بي سي: أدلة مادية على السجون السرية
إلى ذلك، حصلت هيئة الإذاعة البريطانية على تصريح لدخول مراكز احتجاز داخل قواعد عسكرية إماراتية سابقة جنوب اليمن.
ووثّقت بي بي سي بالفيديو زنازين داخل قواعد عسكرية وحاويات شحن استخدمت كمرافق احتجاز وأسماء محتجزين محفورة على الجدران وتواريخ تدل على فترات الاحتجاز.
وتحدث أحد المحتجزين السابقين عن تعرضه للضرب والاعتداء الجنسي داخل هذه المواقع.
ورغم نفي الإمارات المتكرر، فإن هذه الأدلة المادية تعزز مصداقية الشهادات الحقوقية.
تكشف هذه الشهادات، المدعومة بتقارير دولية وأدلة ميدانية، عن منظومة احتجاز سرية أنشأتها الإمارات خارج إطار الدولة في جنوب اليمن، اتسمت بالقسوة المفرطة وانعدام أي ضمانات قانونية.
ورغم مرور سنوات على بعض هذه الوقائع، لا تزال آثارها ماثلة في حياة الضحايا، في ظل غياب المساءلة والعدالة.
وتؤكد هذه المعطيات الحاجة الملحّة إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة ومحاسبة جميع المسؤولين المباشرين وغير المباشرين وضمان جبر ضرر الضحايا وأسرهم والعمل على إنهاء أي مرافق احتجاز غير قانونية، بما ينسجم مع التزامات القانون الدولي، وحق الضحايا في الحقيقة والعدالة والإنصاف.


