كشفت وكالة رويترز، في تحقيق استقصائي موسّع استند إلى مصادر دبلوماسية وأمنية ووثائق داخلية، عن تورط دولة الإمارات العربية المتحدة في تمويل وتدريب وإمداد قوات الدعم السريع السودانية عبر معسكر سري أُنشئ في إثيوبيا، في تطور يعزز الاتهامات الموجهة لأبو ظبي بدعم طرف رئيسي في النزاع الدموي بالسودان.
وبحسب رويترز، فإن مشرعين أميركيين باتوا مقتنعين بأن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بالسلاح، وهو ما دفع بعضهم إلى التشكيك في صفقات تسليح أميركية مع أبو ظبي. وأفادت الوكالة بأن الإمارات موّلت بالكامل بناء معسكر تدريب في إثيوبيا، استقبل نحو 4300 مقاتل من قوات الدعم السريع، تلقوا تدريبات عسكرية متقدمة بإشراف مدربين عسكريين وبدعم لوجستي مباشر.
ووفق التحقيق، ضمّ المعسكر مركز تحكم بالطائرات المسيّرة، فيما شوهدت شاحنات تحمل شعار شركة إماراتية تتردد بانتظام على الموقع. كما كشفت رويترز أن الإمارات تكفلت بتجديد مطار إثيوبي قرب الحدود السودانية لاستخدامه كنقطة إمداد عسكري، في إطار شبكة دعم وصفتها المصادر بأنها منظمة ومستمرة. وأكدت مذكرة داخلية اطّلعت عليها الوكالة التمويل الإماراتي للمعسكر، بما في ذلك الإمداد العسكري.
وتأتي هذه المعلومات في وقت ينفي فيه المسؤولون الإماراتيون الاتهامات بتسليح قوات الدعم السريع، رغم ما وصفته رويترز بتزايد القناعة لدى خبراء أمميين ودبلوماسيين بمصداقية هذه الاتهامات.
وعلى مدى السنوات الماضية، وثّقت منظمات دولية وحقوقية متعددة تورط دولة الإمارات العربية المتحدة في أنماط ممنهجة من التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي، سواء داخل منشآت احتجاز غير رسمية، أو عبر دعم أطراف مسلحة مارست هذه الانتهاكات بالنيابة عنها في مناطق نزاع إقليمي، من اليمن إلى ليبيا.
اليوم، ومع تفاقم النزاع في السودان، تتكشف أدلة جديدة تشير إلى انتقال هذا النموذج القمعي إلى مسرح حرب آخر، عبر دعم وتسليح قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية متهمة بارتكاب جرائم ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
مندوب السودان في جنيف: دعوة صريحة لمحاسبة الإمارات
في غضون ذلك، تتواصل التنديدات بدعم الإمارات لأعمال العنف والانتهاكات في السودان، ففي جلسة مجلس حقوق الإنسان بتاريخ 9 فبراير 2026، وجّه مندوب السودان الدائم في جنيف هجومًا لاذعًا على دولة الإمارات، محمّلًا إياها مسؤولية دعم قوات الدعم السريع، ومطالبًا بمحاسبتها على خرق قرار مجلس الأمن رقم 1591، الذي يفرض حظرًا على توريد السلاح إلى أطراف النزاع في دارفور.
وقال المندوب السوداني إن الإمارات تقدم العتاد الحربي والأسلحة المتطورة لقوات الدعم السريع عبر مسارات تهريب إقليمية، تشمل شرق ليبيا ودولًا أفريقية أخرى، إضافة إلى مطارات داخل السودان، معتبرًا أن هذا الدعم أسهم في تدمير البنية التحتية وارتكاب مجازر بحق المدنيين.
وأشار إلى الجرائم التي وقعت في الفاشر، واستهداف قوافل الإغاثة، بما في ذلك الهجوم على قافلة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في شمال كردفان، متسائلًا عن جدوى التعهدات الإنسانية التي تطلقها أبو ظبي في ظل استمرار تسليح مليشيا متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.
المفوض السامي: ما جرى في الفاشر “كارثة إنسانية”
في سياق متصل، تستمر جرائم قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا دون هوادة، حيث وصف فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ما شهدته مدينة الفاشر في إقليم دارفور بأنه “كارثة إنسانية مروعة”، محذرًا من أن الصمت الدولي إزاء الجرائم الموثقة سيقود إلى تكرارها في مناطق أخرى من السودان.
وخلال إحاطة شفوية أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، أشار تورك إلى أن قوات الدعم السريع شنت موجة عنف شديدة بعد حصار دام 18 شهرًا، أسفرت عن مقتل آلاف المدنيين خلال أيام، وفرار عشرات الآلاف في حالة من الرعب.
وقال إن فريق مكتبه أجرى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهد، تحدثوا عن عمليات قتل جماعي، وإعدامات خارج نطاق القانون، واغتصاب وعنف جنسي ممنهج، وتعذيب وسوء معاملة، واعتقال تعسفي، واختفاء قسري. ونقل عن أحد الناجين وصفه للمشهد بأنه “يوم القيامة”.
وشدد المفوض السامي على أن المسؤولية عن هذه الجرائم الفظيعة لا تقع على المنفذين فقط، بل تمتد إلى حلفائهم وداعميهم، في إشارة ضمنية الى دولة الإمارات، داعيًا المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات ملموسة لحماية المدنيين ومنع الإفلات من العقاب.
سياق أوسع
إن هذه هذه التطورات، من تحقيقات رويترز إلى الشهادات الأممية والمواقف الرسمية في جنيف، تسلط الضوء مجددًا على الترابط بين الدعم الإماراتي والتسليح لقوات الدعم السريع وتصاعد الانتهاكات الجسيمة في السودان، وتعيد إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول مسؤولية أبو ظبي، وواجب المجتمع الدولي في منع الإمارات من تصدير أدوات العنف والتعذيب وسائر الانتهاكات إلى مناطق النزاع.


