جمعية ضحايا التعذيب

تقرير أمريكي يعيد فتح ملف دور أبو ظبي في اليمن ويتهمها بدعم الحوثيين

اتهم تحقيق نشره موقع «دروب سايت نيوز» الأمريكي، في 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، دولة الإمارات بتقديم دعم استخباراتي ومعلومات لتحديد الأهداف لجماعة الحوثي، تُستخدم في استهداف القوات المدعومة من السعودية داخل اليمن. واستند التحقيق إلى أربعة مصادر مطلعة، قال اثنان منها إن أبوظبي تتبادل المعلومات مباشرة مع الجماعة، بينما قال المصدران الآخران إن قوات يمنية متحالفة معها هي التي تقدم هذه المساعدة وإن أبوظبي تغض الطرف عنها. ونفى القيادي الحوثي محمد البخيتي هذه الاتهامات، كما نفى عمرو البيض، الممثل الخاص لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، وجود قنوات اتصال بين المجلس والحوثيين. ولم يرد السفير الإماراتي في واشنطن على طلبات التعليق.

وتبقى هذه الاتهامات، حتى الآن، مستندة إلى مصادر مجهولة وتنتظر تحققاً مستقلاً. غير أنها لا تأتي من فراغ، بل تنتمي إلى سجل طويل وثّقته منظمات حقوقية دولية، وتعرفه جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات جيداً: دور إماراتي في اليمن بُني منذ عام 2015 على قوات موازية، وسجون خارج رقابة الدولة، وانتهاكات جسيمة لم تُحاسَب عليها أبوظبي إلى اليوم.

شبكة السجون السرية: ما وثّقته الصحافة والمنظمات الدولية
في يونيو/ حزيران 2017 نشرت وكالة «أسوشيتد برس» تحقيقاً وثّق ما لا يقل عن 18 سجناً سرياً في جنوب اليمن، تديرها الإمارات أو قوات يمنية تابعة لها. وقال التحقيق إنها تقع داخل قواعد عسكرية وموانئ ومطار وفيلات خاصة، بل في ملهى ليلي. وروى معتقلون سابقون عن أساليب تعذيب منها «الشواء»، حيث يُربط الضحية إلى سيخ ويُدار فوق نار، إضافة إلى الاعتداء الجنسي والتهديد باستهداف الأسر. وأفاد التحقيق بأن بعض المعتقلين نُقلوا جواً إلى قاعدة إماراتية في إريتريا.

وفي الأسبوع نفسه أصدرت «هيومن رايتس ووتش» تقريراً أفاد بأن الإمارات تدير سجنين من أصل 11 سجناً سرياً في جنوب اليمن، وأن مسؤوليها أخفوا أشخاصاً قسراً وأبقوا آخرين رهن الاحتجاز رغم صدور أوامر بالإفراج عنهم. ودعت «منظمة العفو الدولية» إلى تحقيق أممي في دور الإمارات «وأطراف أخرى» في إنشاء هذه الشبكة.

وفي يوليو/ تموز 2018 أصدرت العفو الدولية تقريرها «الله وحده يعلم إن كان حياً»، استناداً إلى أكثر من 70 مقابلة، وخلصت فيه إلى أن الاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة في تلك المرافق منهجية وترقى إلى جرائم حرب. وتضمنت الشهادات صعقات كهربائية وعنفاً جنسياً. كما كشف التقرير أن الحكومة اليمنية أبلغت فريق الخبراء الأممي بأنها لا تملك سيطرة على القوات التي دربتها الإمارات ودعمتها، وهو اعتراف يلخص جوهر الأزمة: قوة أجنبية تدير أجهزة أمنية ومعتقلات في بلد يُفترض أنها جاءت لدعم دولته.

وقد نفت الإمارات ذلك كله. فقالت في 2017 إنه «لا توجد مراكز احتجاز سرية ولا يمارَس تعذيب أثناء التحقيق»، وقالت في 2018 إن السجون في اليمن تخضع للسلطات اليمنية. وفي المقابل طالب وزير الداخلية اليمني حينها أبوظبي علناً بإغلاق السجون السرية أو تسليمها. وهذا التناقض بين النفي الإماراتي ومطالبة الحكومة اليمنية نفسها بتسليم السجون يضعف الرواية الرسمية الإماراتية.

تقويض الشرعية من داخل التحالف

لم يقتصر الدور الإماراتي على الاحتجاز. فمنذ عام 2017 دعمت أبوظبي تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي ومولت تشكيلات مسلحة محلية تدين لها بالولاء، فيما كانت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، التي جاء التحالف لدعمها، عاجزة عن السيطرة على ما يجري في عدن وما حولها. وأفضى هذا المسار إلى مواجهات مسلحة بين الحكومة والمجلس الانتقالي في عدن وأبين وشبوة، وصولاً إلى الغارات الإماراتية على قوات الحكومة في أغسطس/ آب 2019.

وتتابع جمعية ضحايا التعذيب هذا الملف بوصفه جزءاً من نمط أوسع: توظيف القوة العسكرية والأمنية والمالية لبناء نفوذ خاص على حساب مؤسسات الدولة المضيفة. وقد بلغ هذا المسار ذروته، بحسب ما أورده تحقيق «دروب سايت»، في اجتياح قوات المجلس الانتقالي للجنوب في ديسمبر/ كانون الأول 2025، وما تلاه من ضربات سعودية واشتباكات انتهت بخروج الإمارات من اليمن. ويرى التحقيق أن هذه الانقسامات أضعفت الجبهة المناهضة للحوثيين، وأن استمرار الخلاف قد يفتح الباب أمام «تقاطعات ميدانية غير معلنة» بين خصوم يُفترض أنهم أعداء.

كما أشار التحقيق إلى تقارير سابقة عن عمليات اغتيال استهدفت شخصيات مرتبطة بحزب الإصلاح، وعن استقدام آلاف المقاتلين السودانيين من قوات الدعم السريع بين عامي 2015 و2018، وعن قدرات التجسس الإلكتروني الإماراتية التي شملت برنامج «بيغاسوس»، الذي قالت العفو الدولية إن الإمارات استخدمته لاستهداف شخصيات حكومية يمنية. وهذه عناصر يوردها التحقيق نقلاً عن تقارير سابقة.

اليمن نموذجاً لسياسة تصدير القمع

لا يمكن فصل ما جرى في اليمن عن النهج الذي تتبعه الإمارات في الداخل والخارج. فالدولة التي تُنكر وجود التعذيب في سجونها السرية في اليمن هي ذاتها التي تواجه اتهامات متراكمة بالاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والمحاكمات غير العادلة في الداخل، ولا تزال ملفات سجناء الرأي فيها بلا حل. والنمط واحد: غياب الرقابة القضائية والمستقلة، وإنكار رسمي يعقب كل تقرير، وإفلات كامل من المساءلة.

وقد امتد هذا النهج خارج الحدود. ففي ليبيا والسودان واليمن والقرن الأفريقي دعمت أبوظبي قوى مسلحة موازية للدول، وعملت على إضعاف المسارات المدنية والسياسية التي أفرزتها ثورات الربيع العربي، ووظفت المال والسلاح والتقنيات الأمنية في مواجهة الإسلام السياسي وإعادة هندسة النفوذ الإقليمي. وفي كل ساحة كانت كلفة هذه السياسة تُدفع من أرواح المدنيين وكرامتهم وحقوقهم.

مطالب الجمعية

تؤكد جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات أن أي معلومات تتعلق بتقديم دعم استخباراتي لأطراف النزاع تستدعي تحقيقاً مستقلاً ومحايداً. وتطالب بفتح تحقيق دولي مستقل في ما نشرته المنظمات الحقوقية والصحافة عن السجون السرية والتعذيب والاختفاء القسري التي ارتكبتها القوات الإماراتية والتشكيلات التابعة لها في اليمن، وتمكين المحققين من الوصول إلى مواقع الاحتجاز.

كما تطالب بالكشف عن مصير المختفين قسراً، وإطلاق سراح كل من لا يزال محتجزاً بلا تهمة أو محاكمة عادلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أياً كانت مواقعهم، وضمان جبر الضرر للضحايا.

كما تحث على وقف نقل السلاح والتقنيات الأمنية إلى الإمارات من الدول التي يُخشى أن تُستخدم فيها لارتكاب انتهاكات، ومراجعة التعاون الأمني والاستخباراتي معها.