جمعية ضحايا التعذيب

من نيالا إلى الفاشر: كيف تحوّلت الإمارات إلى شريك في جرائم الحرب بالسودان في إطار سياسة تصدير القمع خارج حدودها

لم تعد شبهة تورط دولة الإمارات العربية المتحدة في تسليح ودعم قوات الدعم السريع بالسودان مجرد اتهامات متفرقة تصدر عن الخرطوم أو منظمات حقوقية دولية، بل باتت اليوم موضع تحقيق رسمي من فريق الخبراء الأممي المعني بالسودان، من المقرر تقديمه إلى مجلس الأمن في أيلول/ سبتمبر المقبل – ويرجّح أن أبوظبي كانت طرفاً فاعلاً في شبكة لوجستية عابرة للحدود نقلت المرتزقة والسلاح والطائرات المسيّرة إلى ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وإبادة جماعية بحسب توصيف أممي سابق لمجزرة الفاشر.

وكالة رويترز نقلت عن مسودة التقرير الأممي أبرز المضامين، التي تكشف عن نمط متكرر من سلوك الإمارات في تصدير أدوات القمع والانتهاك إلى خارج حدودها، عبر دعم ميليشيات وأطراف مسلحة متورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من ليبيا إلى اليمن وصولاً إلى السودان.

وفقاً لما نقلته رويترز عن مسودة تقرير فريق الخبراء الأممي المعني بالسودان، فإن التحقيقات الأممية خلصت إلى أن طائرات بوينغ 727 التي ربطتها تحقيقات رويترز بشبكة أعمال تابعة لشركة مقاولات عسكرية أمريكية استُخدمت لنقل أسلحة لصالح قوات الدعم السريع، المدعومة من الإمارات، وذلك في إطار تحقيقات أوسع بشأن انتهاكات حظر توريد السلاح المفروض على دارفور منذ أكثر من عقدين من الزمن.

وبحسب التقرير، استُخدم الممر الجوي الممتد من نجامينا في تشاد إلى نيالا في جنوب دارفور كقناة لنقل المقاتلين الأجانب والمرتزقة والمعدات العسكرية، بما فيها الطائرات المسيّرة والأسلحة، مباشرة إلى قوات الدعم السريع داخل السودان – في مسار لوجستي ينسف الرواية الإماراتية الرسمية القائلة إن أي دعم مقدَّم للمنطقة هو دعم إنساني بحت.

اللافت أن هيئة الطيران المدني التشادية نفت علمها بترخيص هذه الرحلات، مؤكدة أنها لا تشرف على الطيران العسكري ولا تملك أدوات تتبع حركته، وهو ما يكشف حجم الغموض والتستر الذي أحاط بهذه العمليات، ويثير تساؤلات جدية حول الجهات التي سهّلت هذا النقل ومن يقف خلفها فعلياً.

“ذئاب الصحراء” جيش مرتزقة كولومبي بتمويل إماراتي

الأخطر في مسودة التقرير الأممي هو ما يتعلق بحجم استخدام المرتزقة الأجانب. فقد قدّر المحققون الأمميون عدد المرتزقة الكولومبيين الذين استأجرتهم شركة إماراتية لدعم قوات الدعم السريع بما يتراوح بين 1500 و2000 مرتزق، وهو رقم يعكس عملية تجنيد ونقل منظمة وواسعة النطاق، لا مجرد وجود فردي متفرق لمقاتلين أجانب.

هؤلاء المرتزقة، المعروفون باسم “ذئاب الصحراء”، أسسوا قاعدة عملياتية لهم في مدينة نيالا في آذار/ مارس 2025، حيث قاتلوا إلى جانب قوات الدعم السريع، وتولوا تشغيل الطائرات المسيّرة، وشاركوا في التخطيط العملياتي خلال حصار مدينة الفاشر في دارفور والاستيلاء عليها في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 – وهي المعركة التي وثّقت فيها الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية مسبقاً وقوع مجازر جماعية بحق مدنيين عزّل، وعمليات اغتصاب ممنهج، واختطاف للأطفال، في انتهاكات وُصفت بأنها ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية.

وبحسب التحقيقات، فإن الجهة التي تولّت استئجار هؤلاء المرتزقة هي شركة “مجموعة خدمات الأمن العالمية” (GSSG)، ومقرها دولة الإمارات العربية المتحدة – شركة أمنية إماراتية تحمل ترخيصاً حكومياً رسمياً، وليست كياناً هامشياً أو غير معروف.

وفي مواجهة هذه المعطيات، اكتفت بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة بتصريح مقتضب لرويترز، أفادت فيه بأن السلطات الإماراتية حققت في شركة GSSG وخلصت إلى أنها غير متورطة في أي نشاط للمرتزقة في السودان، ولا تربطها أي صلة بأشخاص أفيد بأنهم مرتزقة، مؤكدة أن الشركة تعمل وفق ما يتوافق تماماً مع القوانين والأنظمة الإماراتية والقانون الدولي.

غير أن هذا النفي الرسمي يصطدم بتراكم متزايد من الأدلة المستقلة التي جمعتها جهات متعددة على مدى العام الماضي: فقد وثّقت منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش في تقرير صادر في أيار/ مايو 2026 أن شركة GSSG ذاتها هي التي تولت – منذ عام 2024 – تجنيد مئات العسكريين الكولومبيين للمشاركة في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع، وأن بعض هؤلاء المتعاقدين مرّوا عبر قواعد عسكرية داخل الإمارات قبل نقلهم إلى السودان. كما استمعت المنظمة إلى شهادات من متعاقدين كولومبيين أفادوا بأنهم دربوا مجندين لقوات الدعم السريع في معسكرات قرب نيالا، وأن كثيراً من هؤلاء المجندين كانوا أطفالاً – وهو ما يشكّل بحد ذاته جريمة حرب موصوفة بموجب القانون الدولي.

ولا يقف الأمر عند حدود الشركة نفسها؛ إذ كشفت تحقيقات مؤسسة “ذا سنتري” الاستقصائية عن روابط مباشرة بين مؤسسي GSSG وبين دوائر صنع القرار الإماراتية العليا، ما يقوّض بشدة مصداقية الرواية الرسمية القائلة بأن الأمر لا يعدو نشاطاً تجارياً خاصاً بمعزل عن الدولة.
هذا النمط من التحقيق الذاتي الذي يُصدر أبوظبي بموجبه “براءة” لنفسها كلما وُجّهت إليها اتهامات موثقة، ليس جديداً؛ فهو ذاته الأسلوب الذي اعتمدته الإمارات سابقاً في نفي دعمها لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر في ليبيا، رغم توثيق أممي متكرر لخروقات حظر توريد السلاح هناك، وهو الأسلوب ذاته الذي اتّبعته في إنكار ضلوعها في جرائم الاغتيالات والتعذيب داخل السجون السرية التي أنشأتها في جنوب اليمن .

من دارفور إلى ما هو أبعد – نمط إماراتي متكرر في تصدير القمع

ما تكشفه ملفات الطيران والمرتزقة في السودان ليس حادثاً معزولاً، بل يندرج ضمن نمط سلوكي متكرر تنتهجه دولة الإمارات في محيطها الإقليمي، يقوم على تصدير أدوات القمع والانتهاك إلى خارج حدودها عبر وكلاء وميليشيات محلية، مع الحفاظ على مسافة رسمية تتيح لها الإنكار الدائم:

ففي ليبيا، وثّقت تقارير أممية متعاقبة دعماً إماراتياً عسكرياً ولوجستياً لقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، شمل توريد أسلحة وطائرات مسيّرة وذخائر خارقة للدروع، في انتهاك مباشر لحظر توريد السلاح المفروض على ليبيا، وسط اتهامات بارتكاب هذه القوات انتهاكات جسيمة بحق المدنيين والمهاجرين.

وفي اليمن، وثّقت جمعية ضحايا التعذيب وكذلك منظمات حقوقية دولية، تورط قوات وميليشيات مدعومة إماراتياً في شبكة من مراكز الاحتجاز السرية جنوب اليمن، شهدت ممارسات تعذيب ممنهج وإخفاء قسري وانتهاكات جسيمة بحق محتجزين، دون أن تخضع أي جهة لمساءلة حقيقية حتى اليوم.

وفي مجال تصدير القمع عبر الحدود (Transnational Repression)، تكرر توثيق استهداف الإمارات لناشطين ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان خارج أراضيها، عبر برامج تجسس رقمي متقدم، وضغوط دبلوماسية واقتصادية على دول اللجوء، وصولاً إلى حالات ترحيل أو تسليم قسري تنتهك مبدأ عدم الإعادة القسرية (non-refoulement) الذي يحظره القانون الدولي وتحديداً اتفاقية مناهضة التعذيب.

وفي هذا السياق، ترى جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات أن الخيط الناظم بين هذه الملفات المتفرقة جغرافياً هو ذاته: توظيف شركات أمنية وعسكرية خاصة، ووكلاء مسلحين محليين، كأدوات تنفيذية لسياسة خارجية إماراتية تتوسع نفوذها الإقليمي بلا اكتراث حقيقي بكلفتها الإنسانية، مع بناء جدار من الإنكار الرسمي المتكرر كلما تعرضت هذه السياسة للكشف.

إن ما تكشفه مسودة تقرير فريق الخبراء الأممي، مقروءاً بالتوازي مع تحقيقات حقوقية وصحافية موثوقة يرسم صورة متماسكة لشراكة فعلية بين كيانات إماراتية – حكومية وشبه حكومية – وبين قوة عسكرية متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، بما في ذلك القتل الجماعي للمدنيين، والاغتصاب الممنهج، وتجنيد الأطفال واستخدامهم في القتال.

إن استمرار الإفلات من المساءلة في هذا الملف لا يهدد فقط بإطالة أمد المأساة الإنسانية في السودان، بل يرسّخ نموذجاً خطيراً لدولة تستخدم ثروتها ونفوذها الدبلوماسي لتصدير القمع والانتهاك عبر الحدود بأقل قدر من الكلفة السياسية.

وعليه، فإن جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات تُطالب مجلس الأمن الدولي بإحالة نتائج تقرير فريق الخبراء المعني بالسودان فور صدوره إلى آليات مساءلة ملزمة، بما يشمل النظر في عقوبات مباشرة تستهدف شركة “مجموعة خدمات الأمن العالمية” (GSSG) والمسؤولين المرتبطين بها.

كما تدعو الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى فتح تحقيقات مستقلة في الشبكات المالية واللوجستية التي تسهّل نقل المرتزقة والسلاح إلى دارفور، والتأكد من عدم استخدام الأراضي أو الأجواء أو النظام المصرفي الإماراتي كقاعدة لهذه العمليات.

وتُطالب جمعية ضحايا التعذيب السلطات الإماراتية بالكف عن سياسة الإنكار والتحقيق الذاتي غير الشفاف، والسماح بتحقيق دولي مستقل في نشاط الشركات الأمنية الخاصة العاملة على أراضيها ذات الصلة بالنزاعات المسلحة في المنطقة.

وتُذكّر بأن مسؤولية الدول عن الانتهاكات لا تقتصر على الفعل المباشر، بل تشمل أيضاً التغاضي عن أنشطة كيانات خاضعة لولايتها القانونية حين تكون على علم بها أو يجب أن تكون على علم بها.

وبهذا الشأن، تدعو جمعية ضحايا التعذيب المجتمع الحقوقي الدولي إلى ربط ملف السودان بالسجل الأوسع لتصدير الإمارات القمع خارج حدودها، بما يشمل ليبيا واليمن وحالات المطاردة العابرة للحدود للمدافعين عن حقوق الإنسان، باعتبارها ملفاً واحداً متكاملاً لا حوادث معزولة.