جمعية ضحايا التعذيب

التغطية الإسرائيلية لدعم أبوظبي في اليمن: واجهة سياسية لسجون سرية وسجل مثقل بالانتهاكات

كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية حديثة، عن تحركات تسعى إلى إحياء المشروع الانفصالي في جنوب اليمن، عبر طلب دعم سياسي وأمني وعسكري واقتصادي من تل أبيب، وربط ذلك بمصالح مشتركة معلنة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. كما يروّج باحثون وناشطون إسرائيليون لفكرة أن “الكيان الجنوبي البديل” الذي بُني بدعم إماراتي خلال السنوات الماضية يمثل فرصة استراتيجية لإسرائيل في الممرات البحرية.

غير أن هذه المعطيات، وإن صدرت عن مصادر ذات أجندة معلنة، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سجل حقوقي موثّق: فالكيان الذي يُروَّج لإحيائه ودعمه ليس مشروعًا سياسيًا محايدًا، بل هو الغطاء السياسي لمنظومة قمع طويلة الأمد شملت الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب الممنهج، وشبكة من السجون السرية أدارتها الإمارات مباشرة أو عبر تشكيلات مسلحة أنشأتها ودرّبتها ومولتها خارج إطار الدولة اليمنية.

فقد وثّقت منظمات دولية، إلى جانب تحقيقات صحفية استقصائية، وجود شبكة من مراكز الاحتجاز غير الرسمية تمتد عبر عدن ولحج وأبين وحضرموت والمهرة وسقطرى، من بينها معسكر الجلاء ومعسكر التحالف في عدن، ومطار الريان في المكلا، وموقع أقيم في بلحاف على جزء من منشأة غازية جنوبي البلاد. ورصدت هذه التحقيقات ما لا يقل عن ثمانية عشر مركز احتجاز سري يخضع لإشراف إماراتي مباشر أو غير مباشر، فيما وثّقت منظمات محلية يمنية أكثر من ألف وستمئة واقعة احتجاز تعسفي وسبعمئة وسبعين حالة إخفاء قسري وثلاثمئة وأربعًا وأربعين حالة تعذيب خلال أربع سنوات فقط، بينها وفيات داخل الاحتجاز، بينما تحدثت أسوشيتد برس عن نحو ألفي رجل اختفوا قسرًا داخل هذه الشبكة.

وتكرر في شهادات معتقلين سابقين أدلوا بها لجمعية ضحايا التعذيب وصف أساليب تعذيب ممنهجة: الصعق الكهربائي، والضرب المبرح، والحرمان من الطعام والماء والنوم، والاحتجاز داخل حاويات شحن معدنية محوَّلة إلى زنازين، والاعتداء الجنسي على الرجال والنساء، إضافة إلى أسلوب يُعرف محليًا بـ”الشواية” يُربط فيه المحتجز إلى سيخ حديدي ويُدار فوق النار. وأكدت مسؤولة أممية معنية برصد حقوق الإنسان في اليمن توثيق حالات اغتصاب نفذتها قوات مدعومة إماراتيًا بحق معتقلين ومعتقلات.

وقد أنشأت الإمارات، خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية اليمنيتين، تشكيلات أمنية موازية أبرزها “الحزام الأمني” و”النخبة الحضرمية” و”النخبة الشبوانية”، أشرفت على تمويلها وتدريبها وتسليحها، وتحوّلت مع الوقت إلى قوة أمر واقع أدارت نظام احتجاز سري بعيدًا عن أي رقابة قضائية، واستُخدمت لقمع المعارضين والصحفيين والناشطين تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. وفي مؤشر على استمرار هذا النمط، وثّقت هيومن رايتس ووتش في كانون الثاني/يناير الماضي قيام “المجلس الانتقالي الجنوبي” باعتقال أعضاء في اللجنة الوطنية اليمنية المستقلة المعنية بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، إثر زيارتهم مركز احتجاز غير رسمي في سقطرى، ثم احتجاز معتقلَين سابقَين كانا قد أدليا بشهادتهما أمام اللجنة.

إلى جانب هذه المنظومة، سجّلت تقارير محلية ودولية حوادث اغتيال واستهداف طالت قيادات ميدانية في مناطق نفوذ هذه التشكيلات، في سياق أوسع من الفلتان الأمني الذي أعقب سيطرتها على مساحات واسعة من الجنوب. واتهمت وزارة الشؤون القانونية وحقوق الإنسان اليمنية، في بيان رسمي، هذه التشكيلات بارتكاب “جرائم خطيرة شملت الاغتيالات والاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز في سجون سرية”، مؤكدة تلقيها بلاغات موثقة من الضحايا وذويهم.

هذا النمط الموصوف بدقة من شهود متعددين ومستقلين، والموثّق من هيئات أممية ومنظمات حقوقية دولية على مدى سنوات، يرقى في تقدير مراقبين حقوقيين إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وقد يشكّل بحسب سياقه ونطاقه جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. كما أن إشراف الإمارات على تمويل وتدريب وتسليح التشكيلات المتورطة يُرتب عليها، بحسب قواعد المسؤولية الدولية للدول، تبعة قانونية وسياسية عن أفعالها، بصرف النظر عن أي نفي رسمي لوجود علاقة تبعية مباشرة.

من هنا، فإن أي تحرك سياسي أو دبلوماسي لإحياء “المشروع الانفصالي” أو منحه غطاءً إقليميًا أو دوليًا جديدًا، كما توحي به التقارير الإسرائيلية الأخيرة، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السجل الحقوقي الموثق لمن يقف خلفه وللتشكيلات المسلحة التابعة له. فدعم كيان انفصالي نشأ ويتغذى على منظومة قمع موثقة يُشكّل مساهمة في استمرار الإفلات من العقاب، ويستوجب من المجتمع الدولي مساءلة أي طرف إقليمي أو دولي يقدّم هذا الدعم، وعدم منحه أي غطاء سياسي.