قدّمت السلطات الإماراتية خلال الأيام الماضية سلسلة من الخطوات والإعلانات ذات الطابع الحقوقي والإعلامي، شملت الإعلان عن تطويرات إدارية داخل السجون، وتوقيع مذكرة تفاهم مع المغرب في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب مواصلة توسيع شراكاتها الرياضية الدولية. غير أن هذه التحركات، لا تمثل معالجة حقيقية للأزمة الحقوقية في البلاد، بل تندرج ضمن محاولات متكررة لتحسين الصورة الخارجية وصرف الأنظار عن الانتهاكات الجوهرية التي لا تزال قائمة.
فعلى الرغم من إعلان دائرة القضاء في أبوظبي عن إجراءات جديدة لتنظيم إيداع بعض السجناء في عنابر خاصة وتطوير ما أسمتها برامج “التأهيل وإعادة الإدماج”، فإن هذه الإجراءات تتجاهل أبرز الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى الإمارات، والمتمثلة في استمرار احتجاز عشرات معتقلي الرأي بعد انتهاء مدد محكومياتهم عبر ما يسمى “مراكز المناصحة” أو من خلال إعادة فتح قضايا جديدة بحقهم، في ممارسات لا يمكن وصفها إلا بأنها شكل من أشكال الاحتجاز التعسفي وإعادة تدوير القضايا السياسية.
وفي السياق ذاته، جاء توقيع مذكرة تفاهم بين الإمارات والمغرب للتعاون في مجال حقوق الإنسان ليعزز الانطباع بأن أبوظبي تركز على بناء أطر تعاون وحوارات دبلوماسية أكثر من تركيزها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وترى جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات أن أي حديث عن تعزيز التعاون الحقوقي يفقد كثيراً من مصداقيته في ظل استمرار القيود على حرية التعبير، واحتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان، وغياب الإصلاحات التشريعية والقضائية الكفيلة بضمان استقلال القضاء وإنهاء الاعتقال التعسفي.
ويتعزز هذا التقييم مع الانتقادات التي وجهتها أخيرًا هيومن رايتس ووتش للشراكة المتنامية بين رابطة الدوري الأمريكي لكرة السلة للمحترفين (NBA) وأبوظبي، معتبرة أن الإمارات توظف الفعاليات الرياضية العالمية ضمن استراتيجية “الغسيل الرياضي” لتلميع صورتها الدولية، بينما تستمر الانتهاكات الحقوقية دون معالجة. وأكدت المنظمة أن استضافة الأحداث الرياضية الكبرى لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لصرف الانتباه عن استمرار قمع حرية الرأي والتعبير، واحتجاز معتقلي الرأي، وتقييد عمل المجتمع المدني.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى نمط متكرر في تعامل السلطات الإماراتية مع ملف حقوق الإنسان، يقوم على إطلاق مبادرات وإعلانات ذات طابع إجرائي أو دعائي لا تمس جوهر الأزمة الحقوقية. فبدلاً من اتخاذ خطوات ملموسة تتوافق مع التزامات الدولة الدولية، مثل الإفراج عن جميع معتقلي الرأي، وإنهاء الاحتجاز بعد انقضاء العقوبات، وضمان المحاكمات العادلة، ووقف سياسات الترهيب والملاحقة الأمنية، تتجه السلطات إلى إبراز مبادرات هامشية أو توسيع شراكاتها الدولية والثقافية والرياضية لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي.
وفي الوقت الذي تواصل فيه السلطات الإماراتية الترويج لمبادرات وإعلانات ذات طابع حقوقي، تواصل المنظمات المستقلة توثيق الانتهاكات الجسيمة على الأرض. فقد تابعت جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات نشاطها في رصد أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، مع تركيز خاص على جرائم التعذيب وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز داخل البلاد، وفي البلدان التي تعاني جراء التدخلات الإماراتية وبالأخص السودان وليبيا واليمن، مؤكدة أن هذه الانتهاكات لا تزال تمثل إحدى أبرز القضايا الحقوقية التي تمتنع السلطات عن معالجتها بصورة جادة أو إخضاع مرتكبيها للمساءلة. كما حذرت الجمعية من أن السياسات الأمنية الإماراتية لم تعد تقتصر على الداخل، بل امتد أثرها إلى الخارج عبر تصدير ممارسات القمع والتعذيب والانتهاكات إلى مناطق النزاعات التي تنخرط فيها أبوظبي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي يوسع نطاق المخاوف المتعلقة بمسؤوليتها عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان
وتؤكد جمعية ضحايا التعذيب مجددًا بأن معيار التقدم الحقيقي في سجل حقوق الإنسان لا يقاس بعدد مذكرات التفاهم أو التغييرات الإدارية داخل السجون أو استضافة الفعاليات الدولية، وإنما بمدى احترام الحقوق والحريات الأساسية، والامتثال للالتزامات الدولية، وإنهاء سياسة الاعتقال التعسفي وتصدير سياسات التعذيب والإفلات من المساءلة، وهي الملفات التي لا تزال تمثل جوهر الانتقادات الموجهة إلى الإمارات من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية.


