جمعية ضحايا التعذيب

حقائق جديدة تكشفها رايتس ووتش تؤكد ضلوع الإمارات في جرائم حرب بالسودان

انسجامًا مع ما نشرته جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات سابقًا، أثار التقرير الجديد الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان “السودان: كولومبيون مرتبطون بفظائع تلقوا تدريبهم في قواعد إماراتية” اهتمامًا حقوقيًا واسعًا، لما تضمنه من معطيات موثقة بشأن الدور الذي لعبته جهات إماراتية في تجنيد وتدريب ونقل مقاتلين أجانب للمشاركة في النزاع السوداني إلى جانب قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

ومن أبرز ما يضيفه التقرير قانونيًا أنه ينتقل من مستوى الاتهامات العامة إلى مستوى توثيق سلاسل الدعم والعبور والتدريب، وهو ما قد يُستخدم مستقبلاً في ملفات المساءلة المتعلقة بـ”المساعدة أو الإسهام في ارتكاب الجرائم الدولية”، خاصة مع توثيق مرور المقاتلين عبر منشآت إماراتية وارتباطهم بعمليات شهدت انتهاكات واسعة النطاق.

ويستند التقرير إلى شهادات مباشرة وتحقيقات ميدانية وتحليل مواد مرئية ومعلومات جمعتها المنظمة من مصادر متعددة، خلصت إلى أن مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين مروا عبر منشآت وقواعد عسكرية داخل دولة الإمارات قبل نشرهم في السودان، حيث شارك بعضهم في عمليات قتالية وفي تدريب عناصر تابعة لقوات الدعم السريع. كما وثقت المنظمة وجود هؤلاء المقاتلين في مناطق شهدت انتهاكات واسعة النطاق، بما في ذلك مدينة الفاشر ومحيطها، وهي مناطق ارتبطت بتقارير أممية وحقوقية تحدثت عن عمليات قتل جماعي واستهداف للمدنيين وأعمال عنف ذات طابع عرقي. (منظمة هيومن رايتس ووتش)

ويمثل هذا التقرير إضافة مهمة إلى سلسلة من التقارير والتحقيقات الدولية التي تحدثت خلال السنوات الأخيرة عن الدعم العسكري واللوجستي الذي تلقته قوات الدعم السريع من جهات خارجية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة، وهو ما كانت أبوظبي تنفيه بصورة متكررة رغم تزايد المؤشرات والأدلة التي توثق استمرار هذا الدعم. (AP News)

وفي هذا السياق، تؤكد جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات أن ما ورد في تقرير هيومن رايتس ووتش ينسجم مع ما سبق أن حذرت منه الجمعية في بيانات وتقارير سابقة تناولت السياسات الإقليمية للإمارات ودورها في دعم جماعات وتشكيلات مسلحة متورطة في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في عدد من دول المنطقة. وترى الجمعية أن المعطيات الجديدة الواردة في التقرير تمثل عنصرًا إضافيًا يعزز الحاجة إلى إجراء تحقيقات دولية مستقلة وشفافة بشأن جميع أشكال الدعم العسكري أو اللوجستي أو المالي التي ساهمت في إطالة أمد النزاع السوداني أو في تمكين أطراف متهمة بارتكاب جرائم دولية من مواصلة انتهاكاتها.

كما يكتسب التقرير أهمية قانونية خاصة لأنه لا يركز فقط على الجرائم المرتكبة على الأرض، بل يتناول أيضًا حلقات الدعم والتسهيل والتدريب والنقل التي قد تثير مسؤولية قانونية دولية عن المساهمة أو التواطؤ أو تقديم العون لأطراف متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتؤكد مبادئ القانون الدولي أن المسؤولية لا تقتصر على المنفذين المباشرين للانتهاكات، بل قد تمتد إلى الجهات التي توفر الوسائل أو الموارد أو الدعم الذي يسهم بصورة جوهرية في ارتكاب تلك الجرائم.

وترى الجمعية أن التقرير يضيف عدة عناصر جديدة إلى ملف المساءلة الدولية بشأن السودان، أبرزها:

أولًا: تقديم تفاصيل أكثر دقة بشأن مسارات تجنيد ونقل المقاتلين الأجانب والجهات التي أشرفت على ذلك.

ثانيًا: ربط الدعم العسكري الخارجي بصورة مباشرة بوقائع ميدانية شهدت ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.

ثالثًا: تعزيز الأدلة التي يمكن أن تستند إليها الآليات الأممية والهيئات القضائية الدولية عند دراسة مسؤولية دولة الخارجية المتورطة في النزاع.

رابعًا: دعم المطالب المتزايدة بفرض رقابة دولية أكثر صرامة على عمليات نقل السلاح والمقاتلين والشركات العسكرية الخاصة المرتبطة بالنزاع السوداني.

خامسًا: توسيع نطاق النقاش الحقوقي من التركيز على مرتكبي الجرائم المباشرين إلى مساءلة الجهات التي وفرت الدعم والغطاء والإمكانات التي ساهمت في وقوع تلك الجرائم.

وتدعو جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات المجتمع الدولي، ومجلس حقوق الإنسان، والآليات الخاصة للأمم المتحدة، واللجان الدولية المختصة، إلى التعامل بجدية مع ما كشفه التقرير، وفتح تحقيقات مستقلة حول جميع أشكال الدعم الإماراتي المقدمة لقوات الدعم السريع المتورطة في الانتهاكات، وضمان عدم إفلات أي جهة أو مسؤول من المساءلة القانونية، بما يحقق العدالة للضحايا ويسهم في وقف الانتهاكات المستمرة بحق المدنيين في السودان.

إن التقرير الحقوقي الأخير يعد تطورًا نوعيًا مهمًا في مسار توثيق المسؤولية الدولية عن الجرائم المرتكبة في السودان، لأنه لا يقتصر على تكرار الاتهامات السابقة بشأن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع، بل يقدم معطيات جديدة تتعلق بتجنيد وتدريب ونقل مقاتلين أجانب عبر قواعد ومرافق إماراتية قبل إشراكهم في العمليات العسكرية التي ارتبطت بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.