جمعية ضحايا التعذيب

الإمارات في صدارة سياسات القمع العابر للحدود في العالم العربي

كشف تقرير صادر عن مجموعة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (منا)، أن الإمارات العربية المتحدة تتصدر قائمة الدول العربية المتورطة في القمع العابر للحدود، بواقع 11 حالة موثقة من أصل 27 حالة رصدتها المنظمة بين عامي 2018 و2025 في المنطقة.

ووفق التقرير، استُهدف جميع الضحايا الإماراتيين على خلفية تهم إرهاب أو أمن، استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب الاتحادي الذي وصفه خبراء أمميون بالغموض وعدم الامتثال للمعايير الدولية.

وبحسب توثيق مجموعة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لحالات القمع العابر للحدود في المنطقة، يواجه الأفراد لاسيما النشطاء والمدافعون عن حقوق الإنسان خطرًا متزايدًا بالاختفاء القسري عند مواجهة إجراءات التسليم أو الترحيل.

وفي كثير من الحالات، يُستهدف المعارضون السلميون أو المدافعون عن حقوق الإنسان لممارستهم حرياتهم الأساسية أو استنادًا إلى قوانين وإجراءات أمنية أو لمكافحة الإرهاب لا تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويواجهون الإعادة القسرية إلى بلدان حيث يتعرضون لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب والاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري. 

قضية جاسم الشامسي: من الاعتقال إلى خطر التسليم

أبرز الحالات التي تناولها التقرير هي قضية المعارض الإماراتي جاسم الشامسي (55 عاماً)، الذي كان يقود سيارته برفقة زوجته في ريف دمشق عندما أوقفتهما قوات الأمن السورية وطلبت منهما إبراز وثائق هويتهما، في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025. وبحسب مصادر حقوقية، اقتاد عناصر الأمن السوريون الشامسي إلى مركز الأمن الجنائي في الفيحاء وفتشوا سيارة العائلة، فيما نفت جهات أمنية عدة معرفة مكان وجوده قبل أن يتمكن من الاتصال بأسرته لاحقاً.

الشامسي محكوم عليه غيابياً بالسجن ضمن قضية “الإمارات 94”، ما يجعله عرضة لخطر “الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي المطول” في حال تسليمه. ونقلت التقارير عن باحثة في هيومن رايتس ووتش تعبيرها عن قلق بالغ إزاء ضغط الإمارات مجددا على دولة أخرى في المنطقة لإعادة معارض أدين في محاكمة صورية قسراً، مؤكدة أن على السلطات السورية رفض أي طلب تسليم. وأشارت المنظمة إلى أن الإمارات مارست في السنوات الأخيرة ضغوطاً مماثلة على لبنان والأردن لتسليم معارضين إليها ، ما يكشف عن نمط ممنهج وليس حالات معزولة.

سلسلة تسليمات غير قانونية (2022-2025)

وثّقت مجموعة حقوق الإنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عمليات تسليم غير قانونية لأربعة أفراد بين عامي 2022 و2025: خلف الرميثي، وحسن الربيع، وسلمان الخالدي، وعبد الرحمن القرضاوي . وتضيف هذه الأسماء الثلاثة الأخيرة إلى الصورة التي رسمها البيان الأصلي، إذ لم تقتصر عمليات التسليم على حالة القرضاوي والرميثي فقط.

كما تواجه حالة خامسة خطر تسليم وشيك، وهي حالة أحمد كامل، وهو مواطن مصري محتجز حالياً في السعودية بعد أن عاش فيها عقداً من الزمن، ويُخشى ترحيله إلى مصر انتقاماً من مشاركته في احتجاجات سلمية خلال الربيع العربي عامي 2011 و2014، حيث قد يتعرض هناك لانتهاكات جسيمة تشمل التعذيب.

توسّع نطاق الاستهداف: من كشمير إلى تونس
لا تقتصر ممارسات القمع العابر للحدود الإماراتية على المعارضين الإماراتيين وحدهم، بل امتدت — بحسب مصادر حقوقية إقليمية — لتشمل التعاون مع دول أخرى لملاحقة معارضيها على الأراضي الإماراتية أو عبرها، إضافة إلى حالات تسليم أو ترحيل لمواطنين عرب وآسيويين غير إماراتيين واجهوا اتهامات سياسية في بلدانهم الأصلية.

التوظيف السياسي لقوائم الإرهاب

في 8 يناير/ كانون الثاني 2025، أعلنت السلطات الإماراتية عن قرار وزاري بإدراج 11 فرداً وثماني شركات في قوائم الإرهاب المحلية لصلاتهم المزعومة بجماعة الإخوان المسلمين، دون مراعاة للإجراءات القانونية الواجبة . ووجدت منظمات حقوقية أن هذا الإدراج أثّر سلباً في مسارات الأفراد المهنية وأموالهم الشخصية، بما في ذلك عبر فقدان فرص العمل والعملاء .

واللافت أن تسعة على الأقل من الأفراد المشمولين بالتصنيف، أو أقاربهم، هم معارضون سياسيون، بينما اثنان فقط من الأحد عشر شخصاً أدينوا أو اتهموا فعلياً بجرائم مرتبطة بالإرهاب، وفق مركز الإمارات لمناصرة المحتجزين (EDAC). ويكشف هذا التباين الصارخ بين عدد المدرجين على القوائم وعدد المدانين فعلياً بجرائم إرهابية عن توظيف تشريعات مكافحة الإرهاب كأداة لتصفية الحسابات السياسية مع المعارضة في المنفى وأقاربهم، وليس كإطار لمكافحة تهديد أمني حقيقي.

محاكمات جماعية جائرة كأساس للملاحقة العابرة للحدود

في مارس/ آذار 2025، أكدت دائرة أمن الدولة بالمحكمة الاتحادية العليا الإماراتية إدانات صادرة عن محاكمة جماعية وُصفت بأنها جائرة، وذلك خلال جلسة استئناف يتيمة. وتشكل هذه الأحكام — إلى جانب أحكام قضيتي “الإمارات 94” و”الإمارات 84” المشار إليهما في البيان الأصلي — الأساس القانوني الشكلي الذي تستند إليه أبوظبي لاحقاً في طلب تسليم أو ملاحقة معارضيها المقيمين خارج البلاد، رغم افتقار هذه المحاكمات لأدنى ضمانات المحاكمة العادلة.

إزاء هذه الحالة الخطيرة، تدعو جمعية ضحايا التعذيب الدول المضيفة للمعارضين الإماراتيين (لبنان، الأردن، سوريا وغيرها) إلى الامتناع عن أي تعاون أمني يفضي إلى تسليم أو إعادة قسرية، التزاماً بمبدأ عدم الإعادة القسرية.

وتطالب الجمعية دولة الإمارات بإلغاء الإدانات الصادرة عن محاكمتي “الإمارات 94” و”الإمارات 84”، والإفراج عن جميع المتهمين المدانين لممارستهم حقوقهم الإنسانية سلمياً فقط.

كما تطالب أبوظبي بسحب أسماء المعارضين وأقاربهم من قوائم الإرهاب المحلية، وإلغاء الشركات المدرجة دون أساس قانوني معترف به دولياً.
وندعو مجلس حقوق الإنسان إلى تشكيل آلية رصد مستقلة لحالات التسليم غير القانوني في المنطقة العربية، تضع في أولوياتها النظر في قضايا التسليم التي تعد الإمارات طرفًا فيها.