جمعية ضحايا التعذيب

الإمارات تبحث عن غسيل سمعتها الحقوقية في ترشيح لانا نسيبة لقيادة الأمم المتحدة

لا يزال ترشيح دولة الإمارات السيدة لانا نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة يثير جدلًا واسعًا على الصعيد الحقوقي العالمي، في ظل سجل طويل من إنكار الانتهاكات الموثّقة في اليمن والسودان وليبيا، وتقارير أممية وحقوقية تتراكم عن أدوار إماراتية في النزاعات، وقضايا داخلية لم تجد جوابًا.
يرى مدافعون عن حقوق الإنسان أن أبوظبي تحاول أن تشتري بهذا الترشيح ما عجزت عن بنائه بسجلها: صورة دولة تحترم حقوق الإنسان. غير أن المرشحة نفسها قضت أكثر من عقد في الدفاع عن هذا السجل وإنكار ما وثّقته جهات أممية وحقوقية بشأنه، وحين سُئلت عن ذلك علنًا أحالت الأسئلة إلى حكومتها.

إنكار بلا إجابة

في جلسة الحوار التفاعلي غير الرسمي بين المرشحة وممثلي الدول والمجتمع المدني في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، وُجّه إلى نسيبة سؤال مباشر: هل ستواصل رفض نتائج المنظمة التي تسعى لقيادتها، وهي نتائج فريق الخبراء المعني بالسودان وبعثة تقصي الحقائق؟ لم تُجب عن جوهر السؤال، وقالت إنها في إجازة من منصبها وزيرةَ دولة، وإن أي سؤال عن سياسة الإمارات يُوجَّه إلى حكومتها.

هذا الجواب يكشف المأزق. فمن تطلب قيادة منظومة تقوم على استقلال آلياتها التحقيقية لا تستطيع أن تفصل نفسها عن موقف دافعت عنه سنوات، ولا أن تجعل احترام تلك الآليات شأنًا يخص حكومة تنتمي إليها وتحمل ترشيحها.

سجل من النفي المتصل

تقول هيومن رايتس ووتش إن نسيبة استغلت منصبها سنوات لإنكار جرائم الحرب المنسوبة إلى الإمارات في اليمن ودعمها لقوات الدعم السريع في السودان ولصرف الأنظار عنها. ويكفي لتتبع هذا النمط الوقوف عند محطتين؛ الأولى في السودان، حيث كتبت نسيبة في سبتمبر/ أيلول إلى مجلة الإيكونوميست أن الإمارات «لا تقدّم أسلحة أو أي دعم آخر» لقوات الدعم السريع أو أي طرف متحارب، عقب تقرير فريق الخبراء الأممي الذي تحدث عن «ادعاءات موثوقة» بدعم عسكري عبر تشاد. وقبل ذلك، في أبريل/ نيسان ويوليو/ تموز، وصفت الاتهامات بأنها «لا أساس لها» و«عارية عن الصحة».
والمحطة الأخرى في أوروبا عام 2025، تفيد بوليتيكو ويورونيوز، بحسب ما أوردته هيومن رايتس ووتش، بأنها شاركت في نوفمبر/ تشرين الثاني في حملة ضغط على نواب البرلمان الأوروبي قبل التصويت على قرار يدين فظائع السودان، وصدر القرار دون إشارة إلى دور الإمارات.

الأدلة تتراكم والنفي يتكرر

في المقابل، تتواتر الأدلة، ففي مايو/ أيار 2026 كشفت هيومن رايتس ووتش أن متعاقدين عسكريين كولومبيين جُنّدوا على ما يبدو عبر شركة مقرها الإمارات، ومروا عبر قواعد عسكرية إماراتية قبل إرسالهم إلى السودان، وأن عددًا منهم دُرّب على أيدي إماراتيين في قاعدة بمنطقة الظفرة. ووثّقت المنظمة كذلك استخدام قوات الدعم السريع قذائف صربية الصنع بيعت أول مرة للقوات المسلحة الإماراتية.

وفي أغسطس/ آب أكدت بعثة تقصي الحقائق الأممية أن أفرادًا وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها لعبت «دورًا هامًا» في شبكات تجنيد المقاتلين الأجانب وتمويلهم ونقلهم ونشرهم، وفي الدعم العسكري الذي استفادت منه القوات. وهذه القوات متهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ورأت البعثة أن هجومها على الفاشر «يحمل سمات الإبادة الجماعية». وفي يوليو/ تموز 2026 طالب البرلمان الأوروبي بفرض عقوبات على شركة إماراتية متورطة في توظيف المرتزقة ونقلهم.

ويضيف تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز تفاصيل جديدة عن هذه الشبكات، فيذكر أن مقاتلين كولومبيين سابقين عُرفوا باسم «ذئاب الصحراء» جُنّدوا عبر شركة أمنية إماراتية تربطها صلات وثيقة بالحكومة، ثم نُقلوا إلى السودان عبر مسار عابر للحدود. وبحسب ما نقلته الصحيفة عن تقرير أممي سري، انطلق هؤلاء من الإمارات إلى مدينة بوصاصو في الصومال، ثم إلى بنغازي في ليبيا، ومنها عبر تشاد إلى السودان، مستفيدين من مناطق نفوذ حلفاء أبوظبي. ويتقاطع هذا المسار مع ما وثّقته هيومن رايتس ووتش وبعثة تقصي الحقائق بشأن مرور المتعاقدين عبر قواعد عسكرية إماراتية.

ولم تقتصر مهمة هؤلاء المقاتلين، وفق التحقيق، على الحماية الأمنية، بل شملت تشغيل الطائرات المسيّرة واستخدام المدفعية والمركبات المدرعة والمشاركة في الهجمات البرية وتدريب عناصر قوات الدعم السريع. وتركّز وجودهم في إقليم دارفور، ولا سيما الفاشر التي ارتبط حصارها والهجوم عليها بفظائع جماعية بحق المدنيين.

ويأتي هذا الكشف في توقيت حرج للإمارات، لأن نسيبة، التي دافعت مرارًا عن موقف أبوظبي ونفت دعمها لقوات الدعم السريع، تخوض اليوم المنافسة على منصب الأمين العام للأمم المتحدة. وإذا ثبتت هذه الوقائع، فإن توفير المرتزقة والدعم اللوجستي والعسكري لقوة متهمة بجرائم ضد الإنسانية وبسمات الإبادة يثير مسؤولية دولية عن المساهمة في تلك الانتهاكات.

وتنفي الإمارات دعمها لقوات الدعم السريع وأي دور لها في ذلك. غير أن إنكارًا يُكرَّر بينما تتراكم تقارير الخبراء الأمميين والمنظمات والبرلمانات لا يُعدّ دفاعًا قانونيًا، ولا يستقيم مع طموح قيادة الأمانة العامة.

والداخل أيضًا

تتجاوز الأزمة السودان واليمن إلى الداخل الإماراتي. فمنظمات المجتمع المدني، ومنها العفو الدولية، تنتقد منذ سنوات قوانين تقيّد حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي، واستمرار احتجاز نشطاء طالبوا بإصلاحات سياسية.

وتضيف قضية زينب جوادلي بُعدًا يخص المرشحة مباشرة. فبحسب محاميها الدولي ديفيد هايغ، اقتحم نحو ثمانية عشر مسلحًا من شرطة دبي وأمن الدولة منزلها في يونيو/ حزيران 2026، وخُدِّرت وضُربت، وانتُزعت بناتها الثلاث من أسرّتهن، ولم تَرَهُن منذ ذلك الحين. وهي اليوم ممنوعة من السفر ومتهمة باختطاف أطفالها وبجرائم إلكترونية بسبب منشورات استغاثت فيها بالعالم. وقد أمرت محكمة التنفيذ في دبي في يوليو/ تموز بمكالمات فيديو أسبوعية مشرفة معهن، لكنها لم تُنفَّذ بحسب المحامي. ووجّهت زينب وهايغ في 27 أكتوبر/ تشرين الأول نداءً علنيًا إلى نسيبة، وأعاد هايغ مراسلتها في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، ولم يصلهما ردّ.

هذه وقائع منسوبة إلى صاحبة الشأن ومحاميها، ولم تصدر السلطات ما يفنّدها. لكنها تضع الإمارات أمام التزاماتها بموجب المادة 16 من اتفاقية مناهضة التعذيب بحظر المعاملة القاسية واللاإنسانية، وأمام المادتين 3 و9 من اتفاقية حقوق الطفل، وأمام المساواة أمام القضاء التي تكفلها المادة 12 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان. ويقول المحامي إن موكلته سمعت مرارًا أن لا قانون لها لأن خصمها نافذ في الأسرة الحاكمة.

الترشيح بوصفه واجهة

تبدو الصورة متسقة: دولة تُنكر في الأمم المتحدة ما تخلص إليه الأمم المتحدة، وتضغط لتقويض آليات التحقيق، وتقدّم دبلوماسيتها بوصفها فاعلًا إنسانيًا بينما تتراكم الأدلة على أدوار أخرى. ثم تقدّم إحدى أبرز وجوه هذا الخطاب مرشحةً لقيادة المنظومة نفسها. وفي هذا السياق لا يُقرأ الترشيح بوصفه استحقاقًا مهنيًا فحسب، بل محاولة لتحويل المنصب الأممي إلى غطاء سمعة.
ما تطالب به الجمعية

في هذا السياق، تدعو جمعية ضحايا التعذيب في الإمارات الدول الأعضاء إلى عدم منح مرشحة الإمارات هذا المنصب، في ظل هذا السجل القاتم للإمارات على صعيد حقوق الإنسان، وتحث بدلا عن ذلك أن تمارس الدول الأعضاء مسؤولياتها في الضغط على المرشحة للتعهد علنًا وبلا مواربة بقبول نتائج فريق الخبراء المعني بالسودان وبعثة تقصي الحقائق وسائر آليات التحقيق الأممية بشأن ضلوع الإمارات في الانتهاكات. وتدعو إلى إخضاعها لمساءلة صريحة عن ملف المحتجزين بسبب التعبير السلمي. بمن في ذلك السيدة زينب جوادلي وتطالب السلطات الإماراتية بإعادة الأطفال إلى والدتهم أو ضمان اتصال فعلي ومنتظم بهن، وبمحاكمة عادلة أو إسقاط التهم، وبفتح تحقيق مستقل في ادعاءات التعذيب والمعاملة القاسية، وبالكف عن تقويض آليات المساءلة الدولية.