جمعية ضحايا التعذيب

اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري.. ممارسات الاختفاء القسري والتعذيب في الإمارات نهج شائع

لا يزال الاختفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي في دولة الإمارات العربية المتحدة نمطًا سائدًا، ناهيك عن ما يرتبط به من انتهاكات جسيمة، وعلى رأسها التعذيب وسوء المعاملة، ومحاكمات جماعية تفتقر إلى أبسط ضمانات العدالة. وهو ما يتطلب من السلطات الإماراتية وضع حدٍّ فوري لهذه الممارسات، وإنصاف ضحاياها وضمان عدم تكرارها.
تشير معطيات الأمم المتحدة ومنظمات متخصصة إلى نمطٍ قائم من الاختفاء القسري في الإمارات، حيث وثّق فريق الأمم المتحدة المعني بحالات الاختفاء القسري (WGEID) “ادعاءً عامًا” وجّهته للسلطات الإماراتية عام 2023 بشأن نمط اختفاءات قسرية وأسئلة تفصيلية حوله. هذه الخلاصات تؤكد وجود ممارسات احتجاز سريّ أو إنكارٍ لمكان وجود المحتجزين ووضعهم القانوني، بما يضعهم خارج حماية القانون.
وفي تطور حديث ومقلق، وثّقت منظمات دولية استمرار إخفاء الشاعر المصري–التركي عبدالرحمن يوسف القرضاوي منذ تسليمه من لبنان إلى الإمارات في 8 يناير/كانون الثاني 2025، وسط مطالباتٍ متكررة بكشف مكان احتجازه وتمكينه من حقوقه الأساسية على نحوٍ يراعي مبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر التعذيب.

ارتباط بنيوي بين الاختفاء القسري والتعذيب
إن الاختفاء القسري يمكِّن التعذيب عمليًّا عبر عزل الضحية وحرمانه من الضمانات الجوهرية (الاتصال بالعائلة، بالمحامي، والرقابة القضائية). وقد أعربت لجنة مناهضة التعذيب في ملاحظاتها الختامية على التقرير الأوّل للإمارات (2022) عن قلقها من ثغرات تشريعية وإجرائية، منها غياب تعريفٍ متوائم مع المادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغياب النص الصريح على المنع المطلق للتعذيب، إضافةً إلى ادعاءاتٍ متكررة بالتعذيب والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي.
كما وثّقت منظمات حقوقية دولية حالات تعذيب وسوء معاملة واعترافات منتزعة في قضايا رأي، بينها قضية المدافع الحقوقي أحمد منصور الذي ظل لسنوات في حبسٍ انفرادي طويل الأمد على نحوٍ يُصنَّف معاملة قاسية أو لا إنسانية.

محاكمات جماعية
تفضي حالات الإخفاء القسري في الإمارات إلى محاكمات جماعية، حيث شهدت البلاد محاكمة جماعية جديدة في 2024 عُرفت إعلاميًّا بـ«UAE84»، أفضت إلى أحكامٍ قاسية شملت السجن المؤبّد بحق العشرات، واعتبرها خبراء أمميون ومنظمات حقوقية محاكمة جائرة تنتهك مبادئ المحاكمة العادلة وسط ادعاءاتٍ عن تعذيب وسوء معاملة. كما أن عددًا كبيرًا من المتهمين كانوا قد قضَوا سنوات في السجن سابقًا على خلفية محاكمة «UAE94».
وعلاوة على ذلك، توثّق منظماتٌ موثوقة استمرار احتجاز عشرات السجناء بعد انتهاء محكومياتهم بذريعة “المناصحة/مراكز التأهيل” بموجب قوانين فضفاضة؛ وهو ما يُحوِّل الاحتجاز إلى احتجازٍ تعسفي مفتوح المدة خارج رقابةٍ قضائية فعّالة.
تحظر اتفاقية مناهضة التعذيب جريمة الاختفاء القسري وتعد الإمارات دولة طرفًا في الاتفاقية منذ 2012، لكنها تحتاج إلى مواءمة التشريعات مع تعريف المادة 1 وضمان الحظر المطلق، وتفعيل ضمانات الوقاية والشكوى والتحقيق وجبر الضرر.
أما اتفاقية حماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري (ICPPED) فإن الإمارات لم تصدّق عليها بعد، كما لم تصدّق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ولا البروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب (OPCAT)، وهو ما يُضعِف منظومات الوقاية والرقابة المستقلة.

المشهد الحقوقي العام
يتقاطع نمط الاختفاء القسري والتعذيب في الإمارات مع تضييقٍ أشمل على حرية التعبير والتنظيم، ومحاكماتٍ سياسية جماعية، وممارسات احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، فضلًا عن انتهاكاتٍ منهجية لحقوق العمّال المهاجرين. وتوثّق التقارير السنوية الحقوقية هذا التدهور وتداعياته البنيوية على سيادة القانون واستقلال القضاء.
إن هذا الوضع القاتم يتطلب قيام السلطات الإماراتية باتخاذ حزمة عاجلة من التدابير الملموسة، تشمل على سبيل المثال لا الحصر تجريم الاختفاء القسري في القانون الوطني تعريفًا منسجمًا مع المواد 2 و5 و17 من اتفاقية الاختفاء القسري، وتجريم الأمر أو الإذن أو التواطؤ فيه، وإسقاط أي حصانات تحول دون الملاحقة. كذلك يجب على الإمارات المسارعة في المصادقة دون إبطاء على اتفاقية الاختفاء القسري والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب (OPCAT)، والالتحاق بالعهدين الدوليين، وإنشاء آلية وطنية وقائية مستقلة بزيارات مفاجئة لجميع أماكن الاحتجاز. ومن المطالب العاجلة تجريم التعذيب تعريفًا مطابقًا للمادة 1 من اتفاقية مناهضة التعذيب، والنص الصريح على الحظر المطلق وغير القابل للتقييد، وإبطال أي دليلٍ انتُزع تحت التعذيب (مادة 15).
كما يجب على الإمارات الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين تعسفًا، ولا سيما ضحايا المحاكمات الجماعية والمحتجزين بعد انتهاء محكومياتهم بذريعة “المناصحة”، وإغلاق هذه الذريعة القانونية التي تُشرعن الاحتجاز المفتوح، والكشف الفوري عن مصير ومكان جميع المخفيين قسريًّا، وفي مقدمتهم حالة عبدالرحمن يوسف القرضاوي، وتمكينهم من التواصل بمحامين وأسرهم، وعرضهم على قضاة مستقلين دون إبطاء.
كما يجب على السلطات الإماراتية التحقيق المستقل والمحايد في جميع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، وملاحقة المسؤولين بغض النظر عن رتبهم، وضمان جبر ضررٍ فعّال للضحايا وأُسرهم يشمل التعويض ورد الاعتبار وإعادة التأهيل.
ولإثبات جديتها في معالجة الاختلالات الراهنة يجب على السلطات دعوة آليات الأمم المتحدة الخاصة، وعلى رأسها الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري والمقرّر الخاص المعني بالتعذيب، لزيارة البلاد دون قيود ونشر تقارير الزيارات.
كما يجب كفالة الاستقلال الفعلي للقضاء، وحظر المحاكمات الجماعية، وتمكين الدفاع من الاطلاع ومخاصمة الأدلة المنتزعة بالإكراه، وضمان العلانية والرقابة المستقلة.
وكذلك يجب احترام مبدأ عدم الإعادة القسرية (CAT، م3) في أي تعاون أمني أو تسليم، والتحقيق في أي حالات نُفذت خارج الضمانات، والتصدي لظاهرة القمع العابر للحدود.
إن تحسين سجل حالة حقوق الإنسان في الإمارات يتطلب من الدول كافة ربط أي تعاون أمني أو قضائي أو تقني مع الإمارات بمعاييرٍ صارمة لحقوق الإنسان، وطلب ضمانات مكتوبة وآليات متابعة، ووقف أي عمليات ترحيل أو تسليم حيث يوجد خطر التعذيب أو الاختفاء القسري.
ختامًا، إنّ الاعتراف بضحايا الاختفاء القسري وكشف مصائرهم ومحاسبة الجناة شرطٌ للعدالة ولبناء منظومة قانونية تُصان فيها الكرامة الإنسانية في الإمارات بلا استثناء، وإن الاختفاء القسري والتعذيب ليسا وقائع معزولة، بل ممارسة متشابكة تُقوِّض سيادة القانون وتُنذر بمزيدٍ من الانتهاكات ما لم تُتَّخذ إصلاحاتٌ قانونية ومؤسسية عاجلة.